الاخبار: محمد حسن سويدان
«العرب مثل الطين في يد النحّات»؛ بهذه المقولة وصف يهوشواع بالمون، رئيس القسم العربي في شعبة الأبحاث في وزارة الخارجية الإسرائيلية، قابلية المجتمع العربي للتشكيل وإعادة الهندسة السياسية، وذلك خلال اجتماع استشاري عُقد في 18 كانون الأول/ ديسمبر 1948 بدعوة من دافيد بن غوريون، قبل أسابيع قليلة من أوّل انتخابات إسرائيلية. الاجتماع الذي وثّقه بن غوريون في مذكّراته، وحُفظ محضره في موقعه بِالرَّمز 223447، ضمّ نخبة من مسؤولي أجهزة «الدولة» والخبراء في الشؤون العربية والأمنية، من بينهم إلياهو ساسون، ويعقوب شيموني، ورؤوفين شيلواح، وعزرا دانين، وتمحور حول سؤال رئيس: هل الأفضل أن يشارك العرب في الانتخابات أم لا؟ كان جواب يعقوب شيموني، القائم بأعمال مدير دائرة شؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية: «الأفضل ألّا يشاركوا». أمّا بالمون، فرأى أن منح العرب حق الاقتراع سيعزّز لديهم الإحساس بالمواطنة، مع ما يترتّب على هذا التحوّل من مُطالبة باستعادة الممتلكات وحرية الحركة.
حسم الاجتماع المسألةَ وفق قاعدة استعمارية مفادها أنه لا مصلحة لـ«الدولة الوليدة» في إشهار تمييزٍ عرقي مفضوح في قوانين الاقتراع؛ فالإقصاء المباشر عبء سياسي، بينما الاحتواء أداة تطويع. ومن هنا، لم تتّجه إسرائيل إلى منع العرب من الانتخاب، بل قرّرت منحهم حق التصويت كإجراء شكلي، بالتوازي مع إحكام السيطرة الأمنية على مخرجات هذا التصويت، وسدّ أيّ منفذ قد يقود إلى تأثير فعلي في القرار السياسي. هكذا، ومنذ لحظة الصفر، وُلد النموذج الانتخابي الإسرائيلي ومعه صكّ تدجين للصوت العربي. وفي حين باتت لدى إسرائيل واجهةٌ برلمانية برّاقة تُسوّق للعالم، ظلّ الشلل السياسي المُهندَس يفعل فعله في إبقاء صاحب الأرض رهينةً في يد «النحّات».
هندسة الصوت العربي في انتخابات 1949
تثبت تلك المداولات المبكرة عام 1948، وغيرها، أن تجريد العرب من أيّ حق في فلسطين، وسَلبهم وزنهم السياسي، ليسا نتاجيْن لصعود اليمين المتطرّف أخيراً، بل هما عقيدة تأسيسية راسخة تقوم على عدم منح هؤلاء أيّ دور إلّا بقدر ما يخدم المصلحة الإسرائيلية. بعد نكبة 1948، لم يبقَ في المناطق التي أصبحت داخل خطوط الهدنة لعام 1949 سوى نحو 150 ألف فلسطيني، كانوا خرجوا للتوّ من حرب دمّرت مجتمعهم، وشرّدت معظم أبناء شعبهم، ودفعت قياداتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى المنفى، في حين أن ما بقي لهم قرى وبلدات زراعية متناثرة، معزولة عن محيطها الفلسطيني والعربي، وخاضعة لسلطة الحكّام العسكريين الإسرائيليين. في هذه الظروف، اتّجهت إسرائيل إلى تنظيم انتخاباتها البرلمانية الأولى عام 1949، وذلك بعدما مُنح الفلسطينيون الباقون في الداخل حق الاقتراع من دون إعطائهم حرية تنظيم أنفسهم سياسياً؛ إذ لم يُسمح بقيام أحزاب عربية وطنية مستقلّة، فيما تولّت الأجهزة الإسرائيلية إعداد قنوات بديلة لاستيعاب أصوات العرب وتوجيهها. وإذ استغلّ حزب «مباي» الحاكم، الذي أصبح لاحقاً حزب «العمل»، البنية الاجتماعية التقليدية للمجتمع الفلسطيني، القائمة على العائلات الممتدّة والعشائر والقرى والقيادات المحلية. فقد عمل مستعربو الحزب وأجهزته الأمنية، بالتعاون مع «الدوائر العربية» في الحزب ونقابة العمال العامة «الهستدروت»، على استقطاب زعماء محلّيين وتحويلهم إلى وسطاء بين الفلسطينيين والسلطة الإسرائيلية.
جاء «قانون القومية» لعام 2018 ليمنح التفاوت صيغة دستورية مباشرة
من خلال هؤلاء، أُنشئت قوائم انتخابية عربية مرتبطة بالحزب الحاكم، وجرى تنظيمها وفق التقسيمات الجغرافية والطائفية، بحيث تخوض الانتخابات بوجوه عربية وتصبّ أصواتها في خدمة الأحزاب الصهيونية التي ترعاها. وهكذا، كان الزعيم المحلّي يتولّى حشد أصوات أبناء عائلته أو قريته، مستنداً إلى علاقاته مع مؤسّسات دولة الاحتلال وقدرته على إغداق الوعود بالخدمات والمساعدات. ورغم دعوة الزعماء الفلسطينيين في الخارج إلى عدم المشاركة في الانتخابات، إلّا أن بعض فلسطينيّي الداخل قرّروا التصويت. وفي النتيجة، حصلت القوائم العربية المرتبطة بحزب «مباي» على 51% من أصوات الناخبين العرب، فيما ذهبت 27% إلى الأحزاب الصهيونية مباشرة، مقابل 22% لـ«الحزب الشيوعي» الإسرائيلي، الوحيد الذي عرّف نفسه باعتباره غير صهيوني، وضمّ في صفوفه شيوعيين فلسطينيين ويهوداً. وهذا يعني أن 78% من أصوات الفلسطينيين ذهبت إلى أحزاب صهيونية أو قوائم مرتبطة بها، في أوّل انتخابات تلت النكبة.
تكشف هذه التجربة المبكرة كيف أمكن منح الفلسطينيين حق التصويت، ومن ثمّ توظيف مشاركتهم في تعزيز سلطة القوى التي أخضعتهم؛ وهذا ما تساعد أعمال شيرا روبنسون ويوآف بيلد وأورن يفتاحئيل في فهمه. ففي كتابها «مواطنون غرباء» (2013)، تُبيِّن المؤرّخة شيرا روبنسون كيف حصر قادة المشروع الصهيوني الملكية السياسية للدولة في الجماعة اليهودية، في مقابل منْح الأقلية العربية حقوقاً إجرائية محدودة. وفي الاتجاه نفسه، يتناول عالم السياسة الإسرائيلي، يوآف بيلد، تلك الصيغة نفسها بوصفها نظاماً يدمج بين الآليات الديمقراطية الشكلية وهيمنة إثنية محدّدة. أمّا أستاذ الجغرافيا السياسية، أورن يفتاحئيل، فيصنّف هذا النموذج ضمن نظام «الإثنوقراطية»، الذي يُسخِّر مؤسسات الدولة لتوسيع نفوذ الجماعة القومية المهيمنة وتثبيت سيطرتها، ومن ثمّ يخلق تفاوتاً بنيوياً في الحقوق على أساس الانتماء القومي.
كيف حسم الدستور زيف المساواة؟
جاء «قانون القومية» لعام 2018 ليمنح هذا التفاوت صيغة دستورية مباشرة؛ إذ حصر ممارسة «حق تقرير المصير القومي» بالشعب اليهودي، واعتبر الاستيطان قيمة قومية تعمل «الدولة» على تشجيعها. وبذلك حسم القانون حقيقة أن «الدولة» مُسخَّرة لخدمة مشروع يخص جماعة واحدة، بصرف النظر عن مشاركة الجميع في الانتخابات. وحتى ضمن حدود المنافسة السياسية نفسها، أتاحت المادة (7 أ) من «قانون أساس الكنيست» منع القوائم أو المرشّحين الذين يتضمّن برنامجهم نفياً لكون إسرائيل «دولة يهودية وديمقراطية»، من خوض الانتخابات؛ وهو ما كان من نتائجه منع رئاسة «الكنيست»، في العام نفسه (2018)، طرح مشروع قانون «دولة لجميع مواطنيها» الذي قدّمه نوّاب «التجمع الوطني الديمقراطي»، بحجّة أنه ينفي «الطابع اليهودي للدولة».
وعليه، يمكن القول إن المشاركة العربية في الانتخابات باتت خياراً سياسياً يحمل أصحابه وزرَه التاريخي؛ إذ لا يمكن مَن يلج «الكنيست»، وهو يدرك تماماً أن تقرير المصير محصور باليهود، وأن الاستيطان قيمة قومية عليا، إلّا أن يوقّع على صكّ اعتراف مجاني بشرعية مؤسّسات النظام وقواعد لعبته. ومهما علت نبرة المعارضة من تحت القبّة، فإن الأثر السياسي الفعلي لهذه المشاركة يظلّ تكريساً لهوية «الدولة» القائمة على التفوّق القومي. وبينما توظّف إسرائيل هذا الوجود كـ«ديكور ديمقراطي» يُجمِّل واقع الفصل العنصري، يواصل المشاركون العرب في «المسرحية» تبييض وجه المؤسّسة التي تحصّن دستورياً إقصاءهم، ليغدو الضحايا، والحال هذه، شهودَ زور على شرعية حرمانهم من أبسط حقوق المساواة.
أصوات مطلوبة وشراكة مرفوضة
تتّضح أبعاد هذه المعادلة في الانتخابات المُرتقبة غداً، حيث تَظهر فجوة كبيرة بين الوزن الانتخابي للعرب وموقعهم السياسي. بحسب الاستطلاعات، سيعجز معسكرا بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت عن تحقيق أغلبية مريحة، وهو ما يجعل من الكتلة العربية عنصراً حاسماً في ترجيح كفّة الحكومة. ومع ذلك، يرفض المعسكران التحالف مع الأحزاب العربية، وهو ما يستند، فعلاً، إلى مزاج واسع في الشارع الإسرائيلي، إذ أظهر، مثلاً، استطلاع أعدّه «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، أن 71.5% من المُستطلَعين اليهود يرفضون مشاركة العرب في الائتلاف الحكومي، في حين اقتصر تأييد هذه المشاركة على 26% لدى التيّار الوسطي، وتراجع إلى 7% لدى اليمين. وإذا دلّت تلك النسب على شيء، فإنما على وجود توافق إسرائيلي على كون الشراكة الحكومية مع الأحزاب العربية مساساً بـ«الشرعية القومية للدولة».
على أن وظيفة التمثيل العربي تتجاوز الساحة الداخلية، لتغدو ركيزة في هندسة الدعاية الخارجية؛ إذ تستثمر المؤسسة الإسرائيلية أصوات العرب كبراءة ذمّة دولية تدرأ عنها تهم الفصل العنصري، وتُمكّنها من تسويق ادّعاء التعددية. وهذا ما تجلّى نموذج واضح منه في خطاب يائير لابيد أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2022، حين اتّخذ من وجود وزراء وقضاة عرب وائتلاف حزبي غطاءً سياسياً لنفي التمييز البنيوي، محوّلاً الضحايا إلى شواهد دفاع أمام العالم، في حين تُطمس صورة المنظومة التشريعية التي تفرغ «المواطنة» من أيّ مساواة فعلية.

